فصل: تفسير الآية رقم (5):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (5):

{ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)}
{ذلك} إشارة إلى ما ذكر من الأحكام وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد المنزلة في الفضل، وإفراد الكاف مع أن الخطاب للجمع كما يفصح عنه قوله تعالى: {أَمْرُ الله أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ} لما أنها لمجرد الفرق بين الحاضر والمنقضي لا لتعيين خصوصية المخاطبين {وَمَن يَتَّقِ الله} بالمحافظة على أحكامه عز وجل: {يُكَفّرْ عَنْهُ سيئاته} فإن الحسنات يذهبن السيآت {وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} بالمضاعفة، وقرأ الأعمش نعظم بالنون التفاتًا من الغيبة إلى التكلم، وقرأ ابن مقسم يعظم بالياء والتشديد مضارع عظم مشددًا، وقوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (6):

{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ عْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6)}
{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم} استئناف وقع جوابًا عن سؤال نشأ مما قبله من الحث على التقوى كأنه قيل: كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل: {أَسْكِنُوهُنَّ} إلخ، و{مِنْ} للتبعيض أي أسكنوهن بعض مكان سكناكم، ولتسكن إذا لم يكن إلا بيت واحد في بعض نواحيه كما روى عن قتادة، وقال الحوفي. وأبو البقاء: هي لابتداء الغاية، وقوله تعالى: {مّن وُجْدِكُمْ} أي من وسعكم أي مما تطيقونه عطف بيان لقوله تعالى: {مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم} على ما قاله الزمخشري، ورده أبو حيان بأن لا يعرف عطف بيان يعاد فيه العامل إنما هذا طريقة البدل مع حرف الجر ولذلك أعربه أبو البقاء بدلًا، وتعقب بأن المراد أن الجار والمجرور عطف بيان للجار والمجرور لا المجرور فقط حتى يقال ذلك مع أنه لا يبرد له بسلامة الأمير وأنه لا فرق بين عطف البيان والبدل إلا في أمر يسير، ولا يخفى قوة كلام أبي حيان، وقرأ الحسن. والأعرج. وابن أبي عبلة. وأبو حيوة {مّن وُجْدِكُمْ} بفتح الواو، وقرأ الفياض بن غزوان. وعمرو بن ميمون. ويعقوب بكسرها وذكرها المهدوي عن الأعرج والمعنى في الكل الوسع {وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ} ولا تستعملوا معهن الضرار في السكنى {لِتُضَيّقُواْ عَلَيْهِنَّ} فتلجئوهن إلى الخروج بشغل المكان أو بإسكان من لا يردن السكنى معه ونحو ذلك {وَإِن كُنَّ} أي المطلقات {أولات حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} فيخرجن عن العدة، وأما المتوفى عنهن أزواجهن فلا نفقة لهن عند أكثر العلماء، وعن علي كرم الله تعالى وجهه. وابن مسعود تجب نفقتهن في التركة، ولا خلاف في وجوب سكنى المطلقات أولات الحمل ونفقهتهن بت الطلاق أو لم يبت.
واختلف في المطلقات اللاتي لسن أولات حمل بعد الاتفاق على وجوب السكنى لهن إذا لم يكن مبتوتات، فقال ابن المسيب. وسليمان بن يسار. وعطاء. والشعبي. والحسن. ومالك. والأوزاعي. وابن أبي ليلى. والشافعي. وأبو عبيدة: للمطلقة الحائل المبتوتة السكنى ولا نفقة لها، وقال الحسن. وحماد. وأحمد. وإسحاق. وأبو ثور. والإمامية: لا سكنى لها ولا نفقة لحديث فاطمة بنت قيس قالت: طلقني زوجي أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي البتة فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في السكنى والنفقة فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم ثم أنكحني أسامة بن زيد، وقال أبو حنيفة. والثوري: لها السكنى والنفقة فهما عنده لكل مطلقة لم تكن ذات حمل، ودليله أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في المبتوتة: «لها النفقة والسكنى» مع أن ذلك جزاء الاحتباس وهو مشترك بين الحائل والحامل، ولو كان جزاءًا للحمل لوجب في ماله إذا كان له مال ولم يقولوا به.
ويؤيد ذلك قراءة ابن مسعود أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم ومن خص الانفاق بالمعتدات أولات الحمل استدل بهذه الآية لمكان الشرط فيها وهو لا يتم على النافين لمفهوم المخالفة مع أن فائدة الشرط هاهنا أن الحامل قد يتوهم أنها لا نفقة لها لطول مدة الحمل فأثبت لها النفقة ليعلم غيرها بالطريق الأولى كما في الكشاف فهو من مفهوم الموافقة، وحديث فاطمة بنت قيس قد طعن فيه عمر. وعائشة. وسليمان بن يسار. والأسود بن يزيد. وأبو سلمة بن عبد الرحمن. وغيرهم {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ} أي بعد أن يضعن حملهن {فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} على الأرضاع {وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ عْرُوفٍ} خطاب للآباء والأمهات، والافتعال عنى التفاعل، يقال: ائتمر القوم. وتآمروا عنى، قال الكسائي: والمعنى تشاوروا، وحقيقته ليأمر بعضكم بعضًا عروف أي جميل في الأجرة والإرضاع ولا يكن من الأب مماكسة ولا من الأم معاسرة، وقيل: المعروف الكسوة والدثار {وَإِن تَعَاسَرْتُمْ} أي تضايقتم أي ضيق بعضكم على الآخر بالمشاحة في الأجرة أو طلب الزيادة أو نحو ذلك {فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى} أي فستوجد ولا تعوز مرضعة أخرى، وفيه على ما قيل: معاتبة للأم لأنه كقولك لمن تستقضيه حاجة فتتعذر منه: سيقضيها غيرك أي ستقضي وأنت ملوم.
وخص الأم بالمعاتبة على ما قال ابن المنير لأن المبذول من جهتها هو لبنها لولدها وهو غير متمول ولا مضمون به في العرف وخصوصًا من الأم على الولد، ولا كذلك المبذول من جهة الأب فإنه المال المضنون به عادة، فالأم إذن أجدر باللوم وأحق بالعتب، والكلام على معنى فليطلب له الأب مرضعة أخرى فيظهر الارتباط بين الشرط والجزاء، وقال بعض الأجلة: إن الكلام لا يخلو عن معاتبة الأب أيضًا حيث أسقط في الجواب عن حيز شرف الخطاب مع الإشارة إلى أنه إذا ضايق الأم في الأجر فامتنعت من الإرضاع لذلك فلابد من إرضاع امرأة أخرى، وهي أيضًا تطلب الأجر في الأغلب والأم أشفق فهي به أولى، وبذلك يظهر كمال الارتباط، والأول أظهر فتدبر، وقيل: {فَسَتُرْضِعُ} خبر عنى الأمر أي فلترضع، وليس بذاك، وهذا الحكم إذا قبل الرضيع ثدي أخرى أما إذا لم يقبل إلا ثدي أمه فقد قالوا: تجبر على الإرضاع بأجرة مثلها.

.تفسير الآية رقم (7):

{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)}
{لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ} أي ضيق {عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا عَبْدُ الله} وإن قل، والمراد لينفق كل واحد من الموسر والمعسر ما يبلغه وسعه، والظاهر أن المأمور بالانفاق الآباء، ومن هنا قال ابن العربي: هذه الآية أصل في وجوب النفقة على الأب، وخالف في ذلك محمد بن المواز فقال: بوجوبها على الأبوين على قدر الميراث، وحكى أبو معاذ أنه قرئ {لِيُنفِقْ} بلام كي ونصب القاف على أن التقدير شرعنا ذلك لينفق.
وقرأ ابن أبي عبلة {قُدِرَ} مشدد الدال {لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ مَا} أي إلا بقدر ما أعطاها من الطاقة، وقيل: ما أعطاها من الأرزاق قل أو جل، وفيه تطييب واستمالة لقلب المعسر لمكان عبارة {عَلَيْهَا أَتَاهَا} الخاصة بالإعسار قبل وذكر العسر بعد، واستدل بالآية من قال لا فسخ بالعجز عن الانفاق على الزوجة، وهو ما ذهب إليه عمر بن عبد العزيز. وأبو حنيفة. وجماعة. وعن أبي هريرة. والحسن. وابن المسيب. ومالك. والشافعي. وأحمد. وإسحق يفسخ النكاح بالعجز عن الانفاق ويفرق بين الزوجين، وفيها على ما قال السيوطي: استحباب مراعاة الإنسان حال نفسه في النفقة والصدقة، ففي الحديث: «إن المؤمن أخذ عن الله تعالى أدبًا حسنًا إذا هو سبحانه وسع عليه وسع وإذا هو عز وجل قتر عليه قتر»، وقوله تعالى: {سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} موعد لفقراء ذلك الوقت بفتح أبواب الرزق عليهم، أو لفقراء الأزواج إن أنفقوا ما قدروا عليه ولم يقصروا، وهو على الوجهين تذييل إلا أنه على الأول مستقل، وعلى الثاني غير مستقل.

.تفسير الآية رقم (8):

{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8)}
{وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ} أي كثير من أهل قرية.
وقرأ ابن كثير وكائن بالمد والهمزة، وتفصيل الكلام فيها قد مر {عَتَتْ} تجبرت وتكبرت معرضة {عَنْ أَمْرِ رَبّهَا وَرُسُلِهِ} فلم تمتثل ذلك {فحاسبناها حِسَابًا شَدِيدًا} بالاستقصاء والتنقير والمناقشة في كل نقير من الذنوب وقطمير {وعذبناها عَذَابًا نُّكْرًا} أي منكرًا عظيمًا، والمراد حساب الآخرة وعذابها، والتعبير عنهما بلفظ الماضي للدلالة على تحققهما كما في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصور} [الكهف: 99].
وقرأ غير واحد {نُّكْرًا} بضمتين.

.تفسير الآية رقم (9):

{فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9)}
{فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا} عقوبة عتوها {وَكَانَ عاقبة أَمْرِهَا خُسْرًا} هائلًا لا خسر وراءه.

.تفسير الآية رقم (10):

{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10)}
{أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} تكرير للوعيد وبيان لما يوجب التقوى المأمور بها بقوله تعالى: {فاتقوا الله ياأولى الالباب} كأنه قيل: أعد الله تعالى لهم هذا العذاب فليكن لكم ذلك يا أولى الألباب داعيًا لتقوى الله تعالى وحذر عقابه، وقال الكلبي: الكلام على التقديم والتأخير، والمراد {فَيُعَذّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا} في الدنيا بالجوع والقحط والسيف وسائر المصائب والبلايا {فحاسبناها حِسَابًا شَدِيدًا} في الآخرة.
والظاهر أن قوله تعالى: {أَعَدَّ} إلخ عليه تكرير للوعيد أيضًا، وجوز أن يراد بالحساب الشديد استقصاء ذنوبهم وإثباتها في صحائف الحفظة، وبالعذاب النكر ما أصابهم عاجلًا، وتجعل جملة {عَتَتْ} إلخ صفة لقرية، والماضي في {فحاسبناها وعذبناها} على الحقيقة، وخبر {كأين} جملة {المفلحون أَعَدَّ الله} إلخ، أو تجعل جملة {عَتَتْ} [الطلاق: 8] إلخ هي الخبر، وجملة {أَعَدَّ الله} إلخ استئناف لبيان أن عذابهم غير منحصر فيما ذكر بل لهم بعده عذاب شديد، وقوله تعالى: {الذين ءامَنُواْ} منصوب باضمار أعني بيانًا للمنادى السابق أو نعت له أو عطف بيان، وفي إبداله منه ضعف لعدم صحة حلوله محله {قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْرًا} هو النبي صلى الله عليه وسلم عبر به عنه لمواظبته عليه الصلاة والسلام على تلاوة القرآن الذي هو ذكر، أو تبليغه والتذكير به، وقوله تعالى:

.تفسير الآية رقم (11):

{رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11)}
{رَسُولًا} بدلًا منه؛ وعبر عن إرساله بالإنزال ترشيحًا للمجاز، أو لأن الإرسال مسبب عنه فيكون {أَنَزلَ} [الطلاق: 10] مجازًا مرسلًا، وقال أبو حيان: الظاهر أن الذكر هو القرآن، والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم فإما أن يجعل نفس الذكر مجازًا. أو يكون بدلًا على حذف مضاف أي ذكر رسول، وقيل: هو نعت على حذف ذلك أي ذا رسول، وقيل: المضاف محذوف من الأول أي ذا ذكر {رَسُولًا} فيكون {رَسُولًا} نعتًا لذلك المحذوف أو بدلًا، وقيل: {رَسُولًا} منصوب قدر مثل أرسل رسولًا دل عليه أنزل، ونحا إلى هذا السدي، واختاره ابن عطية، وقال الزجاج. وأبو علي: يجوز أن يكون معمولًا للمصدر الذي هو ذكر كما في قوله تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا} [البلد: 14، 15]، وقول الشاعر:
بضرب بالسيوف رؤوس قوم ** أزلنا هامهن عن المقيل

أي {أَنزَلَ الله} تعالى ذكره {رَسُولًا} على معنى أنزل الله عز وجل ما يدل على كرامته عنده وزلفاه، ويراد به على ما قيل: القرآن وفيه تعسف، ومثله جعل {رَسُولًا} بدلًا منه على أنه عنى الرسالة، وقال الكلبي: الرسول هاهنا جبريل عليه السلام، وجعل بدلًا أيضًا من {ذِكْرًا} [الطلاق: 10] وإطلاق الذكر عليه لكثرة ذكره فهو من الوصف بالمصدر مبالغة كرجل عدل أو لنزوله بالذكر وهو القرآن، فبينهما ملابسة نحو الحلول، أو لأنه عليه السلام مذكور في السماوات وفي الأمم، فالمصدر عنى المفعول كما في درهم ضرب الأمير، وقد يفسر الذكر حينئذ بالشرف كما في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] فيكون كأنه في نفسه شرف إما لأنه شرف للمنزل عليه، وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله عز وجل كقوله تعالى: {عِندَ ذِى العرش مَكِينٍ} [التكوير: 20] وفي الكشف إذا أريد بالذكر القرآن وبالرسول جبريل عليه السلام يكون البدل بدل اشتمال، وإذا أريد بالذكر الشرف وغيره يكون من بدل الكل فتدبر.
وقرئ رسول على إضمار هو، وقوله تعالى: {يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءايات الله مبينات} نعت لرسولًا وهو الظاهر، وقيل: حال من اسم {الله} تعالى، ونسبة التلاوة إليه سبحانه مجازية كبني الأمير المدينة، و{الله إِلاَّ} القرآن، وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر على أحد الأوجه، و{مبينات} حال منها أي حال كونها مبينات لكم ما تحتاجون إليه من الأحكام، وقرئ {مبينات} أي بينها الله تعالى كقوله سبحانه: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الايات} [آل عمران: 118] واللام في قوله تعالى: {لّيُخْرِجَ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنَ الظلمات إِلَى النور} متعلق بأنزل أو بيتلو وفاعل يخرج على الثاني ضمير الرسول عليه الصلاة والسلام أو ضمريه عز وجل، والمراد بالموصول المؤمنون بعد إنزال الذكر وقبل نزول هذه الآية؛ أو من علم سبحانه وقدر أنه سيؤمن أي ليحصل لهم الرسول أو الله عز وجل ماهم عليه الآن من الايمان والعمل الصالح، أو ليخرج من علم وقدر أنه يؤمن من أنواع الضلالات إلى الهدى، فالمضي إما بالنظر لنزول هذه الآية أو باعتبار علمه تعالى وتقديره سبحانه الأزلي.
{وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صالحا} حسا بين في تضاعيف ما أنزل من الآيات المبينات.
{يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار} وقرأ نافع. وابن عامر ندخله بنون العظمة وقوله تعالى: {خالدين فِيهَا أَبَدًا} حال من مفعول {يُدْخِلْهُ} والجمع باعتبار معنى من كما أن الأفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها، وقوله تعالى: {قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقًا} حال أخرى منه أو من الضمير في {خالدين} بطريق التداخل، وإفراد ضمير {لَهُ} باعتبار اللفظ أيضًا، وفيه معنى التعجيب والتعظيم لما رزقه الله تعالى المؤمنين من الثواب وإلا لم يكن في الأخبار بما ذكر هاهنا كثير فائدة كما لا يخفى.
واستدل أكثر النحويين بهذه الآية على جواز مراعاة اللفظ أولًا. ثم مراعات المعنى. ثم مراعات اللفظ، وزعم بعضهم أن ما فيها ليس كما ذكر لأن الضمير في {خالدين} ليس عائدًا على من كالضمائر قبل، وإنماهو عائد على مفعول يدخل و{خالدين} حال منه، والعامل فيها يدخل لا فعل الشرط وهو كما ترى.